رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

563

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

وانحلال هذا الإشكال بتذكرّ ما سبق في كتاب التوحيد وحواشينا الرافعة لغواشيه ، والذي نقول هاهنا : أنّ إخبار اللَّه تعالى لجبرئيل بشيء قد يكون بإثبات ذلك الشيء في لوح مخصوص هو أعلم بحقيقته ، والأمرِ بتنزّل جبرئيل عليه السلام به على رسوله ، وربما يمحو ذلك المثبت بعد التنزّل به كما قال عزّوجلّ : « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ » « 1 » وذلك المحو للإيذان بأنّ الشيء لا يتمّ له الوجود في الأعيان ، والإثبات المشعر بأنّه سيقع لِحِكَم كثيرة يعلم بعضها بإخبار الصادقين عليهم السلام ، وذلك المحو والإثبات هو البداء الذي القول به من ضروريّات مذهب أهل البيت عليهم السلام ، وإذ ثبت جواز محو بعض ما ثبت ، فليس كلّ ما في ذلك اللوح ممّا شاء بالمشيّة الحتميّة التي لا يقع شيء في حيطة التحقّق ، فعلًا كان أو تركاً ، طاعة كانت أو معصية إلّابها كما سبق تحقيقه ، فما أخبر به جبرئيل عليه السلام تحقّقه تحت سلطان المشيّة ، فيمكن أن يقع فيه البداء ، وإن كان ظاهرُ الإخبار - بالكسر - أنّه سيتحقّق . إذا تمهّد ذلك فنقول : غاية الأمر - بناء على هذه الأصول الأصيلة - أنّهم عليهم السلام كانوا عالمين بشهاداتهم على الوجه المعيّن علماً مستنداً بإخبار الرسول ، المستند بإخبار جبرئيل ، المستند بإثبات اللَّه تعالى في اللوح ، وإذ كانوا عليهم السلام مجوّزين للبداء فيما أخبروا به إلى حين نزول التخيير ، فلم يكن المخيّر فيه متعيّناً في نظرهم حتّى ينافي التخيير . وأمّا التعيّن في علم اللَّه تعالى فهو غير مُناف له ؛ لأنّ الغرض منه بروز ما كمن في ذواتهم المقدّسة من أمر الاختيار ليظهر يوم تُبلى السرائر وجه الاصطفاء وعلّة الاجتباء ، ثمّ إنّك إذا أحطت بما تلونا لك ، علمت أنّ الأصوب في تقرير السؤال في هذا الحديث أن يقال : إنّ هذه الأمور تدلّ على أنّ الإمام عليه السلام كان عالماً بأنّ القضيّة قد تعيّنت ، ولابدّ منه ولا محيص عنه ، والقول بهذا ممّا لا يجوز ولا يحلّ ولا يحسن ؛ لأنّه يفضي إلى القول بأنّه عليه السلام لم يكن قادراً على عدم المشي إلى المسجد ؛ إذ كان المشي متعيّناً من جهة اللَّه ، وكذا ترتّب الواقعة على ذلك المشي ، فلم يكن مشيه إلى المسجد ولا صلاته

--> ( 1 ) . الرعد ( 13 ) : 39 .